منطقة البحر الميت - سفراء من التاريخ

ריספקט מיתוג |
01/01/2021

 

زوجة لوط

تقول الأسطورة إن عمود الملح هذا، هو زوجة لوط التوراتية.

بين جروف جبل سدوم المثيرة بجمالها، والتي تهبط بانحدار شديد إلى البحر الميت، فوق مغارة ملح يلفّها الغموض، يبرز جرف، عمود ملح واحد ووحيد. تطلق عليه الأسطورة الأصلية اسم “زوجة لوط”. هل هي ذكرى للقصة التوارتية الدراماتيكية حول قوى الله وقوى الطبيعة التي اختارت القضاء على السوء وعلى امرأة واحدة، تمت معاقبتها على إدارة رأسها إلى الخلف؟ سواء كانت هذه قصّة، حكمة أو حقيقة، فلا شك بأن منطقة البحر الميت كانت وما تزال منطقة مليئة بدراما الألوان، التناقضات، أشكال الطبيعة النادرة، وجبال الملح الشاهقة. سواء جرّب سكان سدوم القدامى غضب الله أو زلزال كلّه نار وكبريت، بصورة ما، ما تزال كل الدرامات متوقفة ضمن المنظر الطبيعي القديم والرائع. منظر لا تستطيع حتى زوجة لوط نفسها، التماسك وعدم النظر إليه.

 

يسوع ويوحنّا المعمدان

أقدس أقداس المسيحية والطقس الذي ترك بصمته على أجيال من المؤمنين، الحجّاج والفنانين.

يسوع، عيسى، يسوع المسيح أو يسوع ابن مريم ويوسف، مؤسس الديانة المسيحية والشخصية المركزية في هذه الديانة، والذي يعتبر المسيح فيها، وابن الله. بحسب التقديرات، عاش يسوع المسيح في الفترة بين 4 قبل الميلاد وحتى 30 للميلاد. بسحب المعتقد المسيحي في العهد الجديد، كان يسوع يهوديا من آل داوود ولد في بيت لحم لأمه مريم، والتي حملت من الروح القدس وهي ما تزال عذراء. في أيام حياته، تجوّل يسوع ببشارته في يهودا والجليل، بين سكانهما، بمساعدة من تلاميذه – رُسله الاثني عشر. قام باجتراح معجزات وأعلن عن مكانته ابنا لله والذي جاء ليجلب للإنسانية الخلاص التامّ وملكوت السماء.  بحسب العهد الجديد، قام الرومان بصلب يسوع المسيح، لكن موته، الذي أنهى معاناته، لم يكن إلا مرحلة قبيل قيامته، في طريقه لجلب الخلاص.

كذلك كان يوحنّا المعمدان، المذكور في العهد الجديد، يهودياً أيضا، قريب عائلة يسوع. يوحنّا، والذي كانت قصة حياته مصحوبة بالعجائب أيضا، كان معلّما روحيا موهوبا، عُرف بنبؤاته المتعلقة بنهاية العالم. نادى الناس للتوبة قبل يوم القيامة الآخذ بالاقتراب، وكان هو من بشّر بقدوم يسوع المسيح. على الرغم من أنه ترعرع في عائلة كهنة أرستقراطية، اختار يوحّنا التجوّل بين الجبال، التغذّي بالجنادب والعسل البري، وأن يعقد للمؤمنين طقوس الطهارة في نهر الأردن، والذي منحه اسم “المعمدان”.

بحسب التقاليد المسيحية، في المغطس الواقع بالقرب من قصر اليهود، على الضفة الشرقية لنهر الأردن، قام يوحنّا بتعميد يسوع وكذلك المؤمنين به. تحوّل هذا الحدث وموقع العُمّاد إلى جزء من المقدسات المسيحية، وتم تخليدهما في ما لا نهاية له من الأعمال الفنية على مرّ الأجيال. هذا هو أصل طقس تعميد (عُمّاد) الأطفال في المسيحية.

على مرّ التاريخ، يأتي الحجّاج إلى المكان من أجل الغطس في المكان المقدس الذي تعمّد فيه يسوع المسيح. لأجل استخدامهم، بُنيت على الضفة الغربية من نهر الأردن أديرة، بيوت استضافة وكنائس، والتي منحت المكان اسم “أرض الأديرة”.  أول وأبرز كنيسة هي الكنيسة التي يطلق عليها اسم “قصر اليهود” – كنيسة يوحنّا المعمدان الأورثوذكسية، والتي يقع على مقربة منها رصيف العمّاد.

موسى ويسوع

اجتياز الأردن – الانتقال من قيادة صحراوية إلى قيادة كنعانية

مات موسى. أمام عينيه، رأى البلاد ولكنه لم يصل إليها. يحتل يسوع مكانه كقائد. ليس هذا انتقال قيادة من جيل إلى جيل – إنه نقلة جغرافية أيضا: اجتياز نهر الأردن والانتقال من ضفة الأردن الشرقية إلى أرض كنعان، نقلة اجتماعية ديموغرافية: من قبائل رحّالة إلى شعب يقطن في أرضه. نقلة تاريخية: فصل جديد في حياة الشعب.

يبدأ يسوع هذا الفصل بعرض قيادي عجائبي، يعزز قيادته، في المكان الذي يطلق عليه اليوم اسم “قصر اليهود”. الشعب وصل للتو من أبيلا إلى هذا المكان على ضفة نهر الأردن، وبات في المكان قبل الاجتياز. الأيام، أيام شهر نيسان. نهر الأردن يتدفق بقوّة، مليء بالماء. وها هو، لشدّة العجب، ما أن وطأت أقدام الكهنة الحاملين الخزانة مياه النهر، حتى توقفت المياه وسمحت للشعب كله بالاجتياز في الخربة، كما حصل تماما في البحر الأحمر قبل ذلك بـ 40 عاما، في بداية رحلة الترحال في الصحراء. إغلاق دائرة حقيقي. هذا ما ترويه لنا قصة إشعيا، وحتى اليوم يتم الحفاظ على التقليد الذي يقول إن هذا المكان هو المكان، وهكذا اجتاز بنو إسرائيل نهر الأردن عند دخولهم إلى أرض كنعان.

 

لوط وإبراهيم

خلاف رُعاة، فروق شخصيات، أو اختلاف أيديولوجي

كلنا نعلم أن لوط كان رجلا أفضل من سكّان سدوم، حيث أنه لولا هذه الحقيقة لما كان قد نجا من خراب سدوم وعامورا. لكن، الصّديقية هي أمر نسبي على ما يبدو. في سفر التكوين الفصل 13 يتم الحديث عن خلاف بين رعاة لوط وإبراهيم (اللذين كانا أقارب) على مساحات المراعي. وفي نهاية القصّة يظهر من هو الصّدّيق الحقيقي من بين الشخصين: إبراهيم. إبراهيم هو الذي يحلّ الخلاف بطريقة سلمية، يقترح “خطة انفصال” بل ويعطي للوط إمكانية اختيار بقعة الأرض التي سيذهب إليها. فَقَالَ إبراهيم لِلُوطٍ: «لاَ تَكُنْ مُخَاصَمَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ رُعَاتِي وَرُعَاتِكَ، لأَنَّنَا نَحْنُ أَخَوَانِ.   أَلَيْسَتْ كُلُّ الأَرْضِ أَمَامَكَ؟ اعْتَزِلْ عَنِّي. إِنْ ذَهَبْتَ شِمَالًا فَأَنَا يَمِينًا، وَإِنْ يَمِينًا فَأَنَا شِمَالًا». عندما اختار لوط دائرة الأردن في منطقة سدوم، تنازل له إبراهيم عن هذه البقعة الخصبة من الأرض، رغم أنها كانت تعود له. بعد الانفصال، وربما في أعقابه، يأتي وعد الله لإبراهيم بالبلاد.

يقارن الكثير من مفسري التوراة بين كلا الشخصيتين ويرون بهما تجسّداً لتوجهين مختلفين لفهم العالم:

إبراهيم تصالحي، يفكّر “من الرأس إلى القلب”، رجل سلام وأخلاق، يتنازل.

في مقابل أن لوط طمّاع بعض الشيء. يستغل حق الأولية في الاختيار الذي اقترحه عليه إبراهيم ويختار أفضل منطقة من الناحية الاقتصادية. وليس ذلك فحسب، بل إن اختياره أقل أخلاقية (هل تذكرون كم كان سكان سدوم شريرين، حيث اختار الانضمام إليهم؟).

من خلال هذا الحدث، بإمكاننا أن نفهم الكثير عن دائرة الأردن في ذلك الوقت (فَرَفَعَ لُوطٌ عَيْنَيْهِ وَرَأَى كُلَّ دَائِرَةِ الأُرْدُنِّ أَنَّ جَمِيعَهَا سَقْيٌ، قَبْلَمَا أَخْرَبَ الرَّبُّ سَدُومَ وَعَمُورَةَ، كَجَنَّةِ الرَّبِّ، كَأَرْضِ مِصْرَ. حِينَمَا تَجِيءُ إِلَى صُوغَرَ.) عن طبيعة الحياة، عن أزمة أماكن الرّعي التي بسببها لم ينجح اثنان من كبار أصحاب القطعان والملّاكين العيش معا في نفس بقعة الأرض، وطبعا عن الشخصيات المختلفة لهاتين “الشخصيتين”.

 

 

مجموعة الأسينيين

روحانيات، رهبنة وسرّ مخطوطات قمران المفقودة

هل كان الأسينيون هم من كتبوا مخطوطات البحر الميت التي تم اكتشافها في مغاور قمران وفي مغاور أخرى في صحراء يهودا؟  هل سيجد هذا اللغز حلّه؟ ما لا يقل إثارة هو لغز الأسينيين نفسهم. ما كان أعضاء هذه المجموعة الغريبة، كيف عاشوا في ظروف البحر الميت وصحراء يهودا الصعبة، ما الذي جعلهم يعيشون هكذا ويسبقون حتى فكرة الكيبوتس وكذلك الفكرة النصرانية؟ 

كان الأسينيون مجموعة انفصالية عاشت في منطقة قمران، وهنالك من يقول إن اسمهم جاء من كلمة “أسيّا” – تداوي، نظرا لأنهم كانوا مختصين في العلاج بواسطة النباتات الطبية المحلية والحجارة الخاصة والمميزة الموجودة في المكان. في كتابات المؤرخ يوسيف بن متتياهو (يوسفوس فلابيوس) يتم وصفهم كمجموعة من الروحانيين يترفّعون فوق العالم المادي ويعيشون حياة الزّهد، تواضع شديد، مشاركة والتركيز على القدرات الروحانية. لم يكونوا يجمعون الأملاك، يفلحون الأرض لسد احتياجاتهم فقط، يعيشون في مساواة، دون رهن الآخر، ومن منطلق الشراكة في الممتلكات والمساعدة المتبادلة. يهتمون بحب الله، حب الأخلاق وحب الآخر.

حظيت مجموعة الأسينيين بانتباه الكثير من المؤرخين مع اكتشاف المخطوطات المفقودة في العقد الأول من حياة دولة إسرائيل. قصّة بدأت براعي أغنام بدوي رمى حجرا داخل مغارة لإنقاذ عنزته منها، فأصاب جرّة فخارية فيها ثلاث مخطوطات قديمة، وتتمتها اكتشافات لآلاف المقاطع من المخطوطات على الرّقعة (جلد الحيوان) والبردى –أقدم مخطوطات يدوية عبرية تم العثور عليها، وصمدت بفضل مناخ غور البحر الميت الجاف. إحدى الفرضيات الشائعة هي أن المخطوطات قد كتبها أعضاء مجموعة الأسينيين الذين سكنوا في منطقة قمران وقاموا بإخفائها في مغاور المنطقة في زمن الثورة الكبرى ضد الرومان بين السنوات 66-74 للميلاد.

 

 

 

 

 

داوود وشاؤول

دراما توراتية، إنسانية وتاريخية في مغارة في عين جدي

وَلَمَّا رَجَعَ شَاوُلُ مِنْ وَرَاءِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ أَخْبَرُوهُ قَائِلِينَ: «هُوَذَا دَاوُدُ فِي بَرِّيَّةِ عَيْنِ جَدْيٍ. 2 فَأَخَذَ شَاوُلُ ثَلاَثَةَ آلاَفِ رَجُل مُنْتَخَبِينَ مِنْ جَمِيعِ إِسْرَائِيلَ وَذَهَبَ يَطْلُبُ دَاوُدَ وَرِجَالَهُ عَلَى صُخُورِ الْوُعُولِ. 3 وَجَاءَ إِلَى صِيَرِ الْغَنَمِ الَّتِي فِي الطَّرِيقِ. وَكَانَ هُنَاكَ كَهْفٌ». (سفر صموئيل الأول 24 : 1)

هنا، في إحدى مغاور عين جدي، كما يروي سفر صموئيل، يختبئ داوود ورجاله من شاؤول الساعي إلى قتلهم. لكن، حين توقف شاؤول عند باب المغارة التي يتواجد داوود ورجاله بداخلها، لم يستطيع ملاحظة وجودهم. رغم الفرصة السانحة، لم يطاوع داوود قلبه للمس به سوى أنه يتسلل ويقطع طرف رداء شاؤول. بل إنه ينحني أمام شاؤول ويقسم بألا يمس به، لأنه مسيح الله. كذلك يمنع داوود رجاله من أذيّة شاؤول.

وشاؤول؟ يبدأ بالبكاء ويعبّر عن رضاه بنقل كرسي الملك لداوود.

جروف الوعول، المغاور وصير الغنم، التي كانت شاهدة على هذه الدراما الشعورية، على العلاقات المعقدة بين شاؤول وداوود وبداية سلالة آل داوود – ما تزال هنا. ونحن أيضا.

 

 

كريستوفر كوستيجن وثوماس مولينا

حلم حياة وموت – أوائل باحثي البحر الميت

كان كريستوفر كوستيجن آيرلنديا، من أوائل باحثي البحر الميت. كدارس في مجال الديانة اليسوعية، أبدى كوستيجن الشاب انجذابا واهتماما كبيرين للأماكن المقدسة للديانة المسيحية، ووضع لنفسه هدفا يتمثل ببحث ودارسة البحر الميت وقياس عمقه. عام 1835 وصل كوستيجن إلى طبريا، بواسطة سفينة صغيرة اشتراها من بيروت، ومع بحّار مالطي جنّده هناك.  كانت خطّته تنص على الإبحار على امتداد نهر الأردن من بحيرة طبريا جنوبا باتجاه البحر الميت. أدى الإبحار في نهر الأردن، في حرارة شهر آب الملتهب، وحين كان مستوى المياه في أدنى ارتفاعاته، والمسار ضيق، إلى إرهاقه، فاضطر لمتابعة الرحلة برّاً. قام بسحب سفينته بواسطة الجمال، وسار جنوبا باتجاه البحر الميت، تعرّض لهجوم قاطعي الطرق، لكنه لم يتنازل ولم يتراجع. أبحر على امتداد شواطئ البحر الميت وصولاً إلى الجزء الشمالي من “اللسان”، على مدار ثمانية أيام، وقام بإجراء القياسات بواسطة أدواته البدائية. عانى كثيراً من ارتفاع درجة الحرارة، وعندما انتهت مياه الشرب معه، قام بخلط ماء البحر الميت المالح بالقهوة وشربها. بعد أن خارت قواه، قام البدو القاطنون في المحيط، والذين تابعوا رحلته عن الشاطئ، بأخذه إلى المستشفى في أريحا، ومن هناك أخذوه إلى دير سان سلفادورالـفرنسيسكاني الموجود في البلدة القديمة في القدس. بتاريخ 7 أيلول 1835 توفي كريستوفر كوستيجن ودفن في المقبرة الكاثوليكية في جبل صهيون.

بعد ذلك بـ 12 عاما، وصل ضابط سلاح البحرية البريطاني، ثوماس هاوارد مولينا إلى طبريا بواسطة قارب خشبي ومع نفس الطموح: الإبحار في نهر الأردن من بحيرة طبريا إلى البحر الميت، بغية رسم خريطة للمنطقة. كلّفته هذه الرّحلة الجريئة، في قيظ آب في غور الأردن، حياته هو الآخر، لكن ليس قبل أن يترك وراءة عددا من القياسات. تمت دراسة سفينته الخشبية التي قام زئيف فلنائي بجلبها من إنجلترا، وتمت إعادة ترميمها من قبل مجموعة من الطلاب في قسم الحضارة البحرية التابع لجامعة حيفا، ويتم عرضها اليوم في بهو (لوبي) مركزّ الزوار التابع لمصانع البحر الميت.

صحيح أن هذين الباحثين الشجاعين فقدا حياتهما على مذبح مهمّتهم، لكن البحر الميت لم ينسهما: تم تخليد أسمائهم على لسان البحر الميت – يطلق على القسم الشمالي اسم “كف كوستيجن” وعلى القسم الجنوبي-الغربي “كف مولينا“.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هنري ترسترام

الخوري الذي أصبح أبو علم الحيوان في أرض إسرائيل

كان الخوري هنري بيكر ترسترام متعلّما، مسافرا وعالم طيور إنجليزي. والحقيقة أننا لولاه لما كنا نعرف الكثير عن طبيعة وحياة أرض إسرائيل خلال القرن الـ 19. منذ سن صغير كان ترسترام عالم حيوان وطيور متحمّس، وقد مارس اهتمامه في هذا المجال، بداية، كشاب في إنجلترا، وبعد ذلك في برمودا، في صحراء سهارى، في لبنان، بلاد الرافدين وأرمينيا. لكن كخوري (رجل دين مسيحي)، تمحور جلّ اهتمامه وعمله حول أرض إسرائيل. كان ترسترام أحد الباحثين الأوروبيين الأوائل الذين وصلوا إلى أرض إسرائيل ويعتبر في الواقع “أبو علم الحيوان في أرض إسرائيل”. قام بزيارة البلاد 8 مرات، وخرج فيها إلى جولات وحيدا أو على رأس وفود بحثية، قام من خلالها بدراسة الحيوانات والنباتات، اهتم بالكتابات القديمة وبحث عن أدلّة على ما ورد في النّصوص الدينية. قام بتجميع قصص رحلاته ونشرها في كتاب “رحلة إلى أرض إسرائيل – يوميات 1863-1864”. وقام بتركيز مشاهداته في كتابه “الحيوان والنباتات في أرض إسرائيل” الذي رأى النور أول مرة عام 1889. تشكّل كتاباته هذه، ومجموعة المُحنّظات ومعاطفه مصدر معلومات هام حول عالم الحيوان في أرض إسرائيل خلال الفترة العثمانية.

إحدى المناطق المميزة التي أسرت قلب ترسترام كانت منطقة البحر الميت، والتي أكثر من التجوال فيها. يخصص ترسترام جزءا واسعا من كتابه للمنطقة، حيث يصف البحر الميت بصورة تفصيلية، بل إنه يطرح فرضية تقول إن لسان البحر الميت نشأت نتيجة تجمّع أربعة جداول في بحيرة، وأنها تشكل مستقراً للحوّار الذي ينجرف من الجبال عبر الوديان. نسب ترسترام، رجل الدين والباحث، المزمور 42 من سفر المزامير (“1. لإمام المغنين. قصيدة لبني قورح. 2 كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ. 3 عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى اللهِ، إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ…”)   إلى وادي داوود.كصاحب أفضال كثيرة في مجال دراسة علم الأحياء في أرض إسرائيل واكتشاف الكثير من الأجناس الجديدة فيها، أطلق اسم ترسترام على الكثير من الحيوانات، من بينها الطير الزرزور الأسود،  الحيوان القارض جرد ترسترام وسحلية ترسترام.

 

 

 

النبي حزقيال (ذو الكفل)

هل تتحقق رؤيا النبي “للبحر الميت”؟

كان حزقيال بن بوجي الكاهن، الذي نعرفه جميعنا باسم النبي حزقيال، رجل نبؤات مثيرة، دراما وخيال. خلال فترة الهيكل الأول، أثار العجب من خلال نبؤاته المخيفة والتحقق، لكنه عندما نفاه يهويا كين إلى بابل، توقف عن هذه النبؤات وانتقل إلى نبؤات المواساة. كانت “رؤيا البحر الميت” من بين هذه النبؤات، والتي تنبأ فيها – بقدر ما أتاح له خياله – كيف سيخرج في المستقبل نهر من القدس، وينزل إلى البحر الميت، يرويه ويروي محيطه بالمياه العذبة ويحوّله من بحر الموت إلى بحر الحياة، وتزدهر الصحراء من حوله: “وَقَالَ لِي: «هذِهِ الْمِيَاهُ خَارِجَةٌ إِلَى الدَّائِرَةِ الشَّرْقِيَّةِ وَتَنْزِلُ إِلَى الْعَرَبَةِ وَتَذْهَبُ إِلَى الْبَحْرِ. إِلَى الْبَحْرِ هِيَ خَارِجَةٌ فَتُشْفَى الْمِيَاهُ. وَيَكُونُ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ حَيَّةٍ تَدِبُّ حَيْثُمَا يَأْتِي النَّهْرَانِ تَحْيَا. وَيَكُونُ السَّمَكُ كَثِيرًا جِدًّا لأَنَّ هذِهِ الْمِيَاهَ تَأْتِي إِلَى هُنَاكَ فَتُشْفَى، وَيَحْيَا كُلُّ مَا يَأْتِي النَّهْرُ إِلَيْهِ” (خزقيال، الإصحاح 47: 8-9)

حتى يومنا هذا، هنالك من يرون بأقواله هذه رؤيا بانتظار التحقق، وينسبون بداية التحقق لمختلف الظواهر الطبيعية مثل فيضان وادي عراجوت واكتشاف الأسماك في حوامات البحر الميت، بل وحتى فكرة قناة البحار. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نوفومايسكي ولنغوتسكي

من مناجم سيبيريا إلى كنوز منطقة البحر الميت

 

لا يستسلم البحر الميت بسهولة. فهو يكشف عن كنوزه فقط للحالمين الحقيقيين والمثابرين، الذين ينجحون بمواجهة الظروف الطبيعية الصعبة في المنطقة، الاحتراق تحت أشعة الشمس المتّقدة، ترك جسمهم في الملح والجفاف، خلق شيء من لا شيء وعدم التوقف عن الإيمان. هكذا كان ميشيا وموسيا: موشي أبراموفيتش نوفومايسكي وموشي لنغوتسكي.

ولد كلاهما في سيبيريا لعائلات كانت تعمل في مناجم الذهب. وظّفا معارفهما في مجال استخراج الموارد الطبيعية وانجذابهما للمجال لأجل الحلم الصهيوني، وعرفوا كيف يستخرجون كنوز الماء والملح وتأسيس صناعات البوتاس والبروم الإسرائيلية. شركة مصانع البحر الميت، التي تعتبر اليوم إحدى أكبر الشركات المنتجة للبوتاسيوم في العالم، هي استمرارية مباشرة لعملهم.

أنهى نوفومايسكي، الذي ترعرع بالقرب من بحيرة بايكال في سيبيريا، دراسته لهندسة المناجم، وكان من بين رواد صناعة المناجم في سيبيريا. عندما سمع لأول مرة بالتركيبة النادرة لمياه البحر الميت، تحوّل الأمر لمهمّته الأساسية في الحياة. وقد وضع لنفسه هدفا يتمثل ببحث وتطوير استغلال موارد البحر الميت، وسعى إلى ذلك دون كلل أو ملل. عام 1920 هاجر مع عائلته إلى الخضيرة، ومرحلة بعد مرحلة قام بإجراء وإدارة أبحاث واستطلاعات جيولوجية، اشترى حقوق الإبحار في البحر الميت، بعد ذلك حقوق استخراج الملح من جبل سدوم، بعدها عرائش مهجورة بجانب ميناء كيرخ على شاطئ البحر الميت الشمالي، إلى أن حصلت “شركة البوتاس الأرض إسرائيلية” التي أقامها، في نهاية المطاف، على حقوق استخراج كنوز البحر الميت من المندوب السامي البريطاني. كجزء من عمله لنشر الحياة في المنطق، كان شريكا في إنشاء كيبوتس “بيت هعرفا”، حيث نجح بالحصول على التصاريح لإقامته تحت ذريعة إقامة حي إسكاني إضافي لعمال مصانع البحر الميت.

أما ابن سيبيريا الآخر، موشي لنغوتسكي، الذي كان في البداية عاملا رئيسيا في مزرعة موشي نوفومايسكي في جديرا، فقد أصبح خلال وقت قصير يده اليمنى، وأول روّاد البحر الميت. أدى الدمج بين معرفته بعالم المناجم التي اكتسبها من بيت والديه، المغامرة ورحلات التجوال المعزّزة في منغوليا ومنشوريا، إلى جعله ملائما ومثاليا بالنسبة لرؤيا نوفومايسكي على مدار 44 عاما من النشاط في البحر الميت، عمل لنغوتسكي في البداية لوحده في المنطقة، قام بإجراء المشاهدات، الاستطلاعات والتجارب الأولى لاستخراج البوتاس والبروم من مياه البحر، بعد ذلك أشرف على أعمال بناء برك التبخير، سحب مياه البحر إلى البرك، تنظيم المواصلات البرية وتشغيل المعدات الميكانيكية الثقيلة التابعة للشركة, كما أقام وأدار قسم البحر في الشركة، وأدار، في إطار “مصانع البحر الميت” قسم المعدات الميكانيكية الثقيلة. كان لنغوتسكي أيضا أول قائد لـ “الهجانا” في المنطقة، وقد حظي بمحبّة السكان العرب في المنطقة كلّها. أدى إخلاص وتميّز لنغوتسكي في العمل في البحر الميت لحصوله على جائزة العمل من الهستدروت وبمواطنة شرف من المجلس الإقليمي تامار.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إليعزر ليفا سوكنيك

“أبو” الاكتشاف الأثري الأكثر دراماتيكية في تاريخ إسرائيل – المخطوطات المفقودة

 

مرة في الجيل، وربما في أوقات أكثر ندرة أحيانا، يتم اكتشاف شيء ما يغيّر فهمنا للتاريخ.

كان اكتشاف المخطوطات المفقودة – مخطوطات قمران، حدثا مثيراً لهذه الدرجة، أقدم مخطوطات عبرية تم اكتشافها في التاريخ. وقد كان أول من فهم أهمية هذه المخطوطات وحجم الحدث التاريخي إليعزر ليفا سوكنيك – أول عالم آثار في الجامعة العبرية. ألقت جهود سوكنيك لشراء المخطوطات، تفسيرها ودراستها، ضوءا جديدا على فهم تاريخ اليهود في حقبة الهيكل الثاني وفشل الثورة والاحتلال الروماني وعلى الفترة التأسيسية التي شهدت ولادة الديانة المسيحية.

كما الأحداث في كتاب مغامرات – قام راعٍ بدوي – كان يلحق بماعزه- حجرا داخل مغارة. أصاب الحجر جرّة قديمة كانت مخفية داخلها، واكتشف الراعي في هذه الجرة، وفي غيرها من الجرار الموجودة في المغارة، رقعا جلدية قديمة. باع الراعي الرقع الجلدية، مقابل قطع نقدية قليلة، لتاجر آثار من بيت لحم، والذي باع جزءًا منها – بدروه – للبطريرك الآشوري-السوري في القدس. حين سمع عالم الآثار إليعزر سوكنيك بأمر المخطوطات من تاجر آثار أرمني، أبدى إصرارا على فحص أهمية هذه المخطوطات المكتشفة. سرّاً، وفي المنطقة العسكرية الخاضعة لبريطانيا، التقى بالتاجر الذي عرض عليه قطعة من الرقعة الجلدية. تعرّف سوكنيك فوراً، على الخط العبري القديم. لاحقا، عندما شاهد ثلاث رقع جلدية من الرقع المكتشفة، كتب: “ارتعشت يداي وبدأت بفتح إحداها. قرأت عدّة جمل، ووجدتني أفهم أن المكتوب فيها هو لغة عبرية توراتية رائعة، شبيهة بلغة سفر “تهيليم”. وفجأة، راودني إدارك بأن القدر منحني فرصة قراءة كتابات عبرية لم تقرأها عين إنسان منذ ألفي عام”.

 منذ تلك اللحظة، لم يعرف فضوله الفكري والانفعال الذي راوده أي طريق للراحة. إلى أن قام بشراء 3 من المخطوطات، وكل ذلك خلال أيام التوتر التي سبقت حرب الاستقلال. فور وصول المخطوطات إلى يده، بدأ بتحليلها وتفسيرها، في ساعة متأخرة من الليل. اكتسبت هذه اللحظة التاريخية، المزيد من الزخم، عندما تم – عن طريق الصدفة – في نفس الليلة، ليلة 14 تشرين الثاني 1947، التصويت في الأمم المتحدة بالمصادقة على قرار تقسيم أرض إسرائيل.

أدار البروفيسور سوكنيك حفريات أثرية في مواقع هامّة مثل الكنيس في بيت ألفا وفي الحمّة والسور الثالث في القدس. أحد مشاريعه الكبيرة الأخرى هو مشروع الموسوعة التوراتية الذي وقف على رأسه برفقة موشي دافيد كاسوتو. لكن، لا شك بأن لؤلؤة التاج بالسبة لعمله كانت اكتشاف والاعتراف بأهمية مخطوطات قمران، دراستها وترجمتها. وإذا لم تكن سخرية الأقدار التاريخية هذه كافية، فإن من قام بإحضار بقية المخطوطات إلى إسرائيل، لم يكن سوى يجئال يادين ابن البروفيسور سوكنيك – قائد الأركان وعالم الآثار الهام بحدّ ذاته.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

يهوذا الإسخريوطي

هل بدأت هنا قصّة الخيانة التي ترافق الثقافة الغربية؟

لقد تحوّل إلى اسم مرادف للخيانة في الثقافة المسيحية. يهوذا الإسخريوطي.

هل كان هو فعلا الخائن الذي سلّم يسوع المسيح للحاكم الروماني بيلاطس البنطي وتسبب بصلبه، أم أنه كان أكثر تلاميذه إخلاصا، كما ترمز المخطوطات القديمة التي لم يشملها العهد الجديد؟ وربما كان في الواقع الوحيد من بين التلاميذ الذي فهم طبيعة يسوع الحقيقية، وساعده – من خلال تسليمه – للتخلص من جسده البشري، وساعد روحه بالتوحّد مع الله العليّ، كما يتضح من الكتابات الغنوصية؟  هل كانت قصّة الخيانة أحد الأسباب المركزية لنشوء اللاسامية؟

هل حُكم على يهوذا الإسخريوطي أن يحمل على كاهله الصراع اليهودي-المسيحي، كما حمل يسوع المسيح الصليب على كاهله؟

ما تزال هناك الكثير من الأسئلة التي ترافق يسوع، يهوذا والعلاقات بينهما. والسؤال الأبدي والأكثر نثرية: من أين جاء يهوذا الإسخريوطي؟ هل جاء من مكان يطلق عليه اسم “قرايوت” (قريوط) والمذكور في سفر إشعيا في منطقة سبط يهودا، أم أن هذا ليس اسما لمكان محدد، وإنما مصطلح جغرافي ذا دلالة شمولية (“قُرى”). يشير الاعتقاد السائد إلى أن مكان ولادته هو “تل قرايوت”، أو باسمه العربي “خربة القريتين” الموجودة عند سفح جبل عماسا، على حدود صحراء يهودا. تم حفر خربة القريتين بين الأعوام 1991-1992 من قبل يهودا جوفرين، واكتشفت فيها آثار كنيسة بيزنيطية. بحسب علماء الآثار الذين حفروا في الموقع، كانت هنالك بلدة في حقبة الهيكل الثاني.

للتل

 الملك هيرودوس

“الملك الباني” الذي غير وجه البلاد

هو إحدى الشخصيات الأكثر إثارة في التاريخ. تم تخصيص الكثير من الكتب والأعمال لشخصيته التراجيدية المثيرة للاختلاف: الملك هيرودوس. عمل هيرودوس كمندوب للرومان، في العصور الوسطى بين حكم ملوك آل الحشمونائيين وبين حكم حُكّام روما، وغيّر وجه يهودا سياسيا وفعليا. عاش حياة مليئة بالغرائز، وجسّد من خلال شخصيته وعمله ما لا نهاية له من التناقضات:

كان يعتبر نفسه يهوديا، وكان إدوميًّا بنظر اليهود؛ قام بكل شيء لكي يكون محبوبا بين أبناء شعبه اليهود، لكنه حظي باحتقارهم بسبب كونه ابنا لمتجيّرين (متهوّدين): أب من أصول إدومية وأم نبطية؛

تعتبره التقاليد اليهودية قائدا ظالما، منتقما ومتعطشا للدماء، فرض الحكم الروماني على يهود أرض إسرائيل وذبحهم، وذبح حكمائهم وسنهدرينهم، لكنه كان الشخص الذي أسكت الخلافات في صفوف الشعب بين الفريسيين والصدوقيين؛ كان يكره إبادة آل الحشمونائيين، لكنه كان من أعاد بناء القدس وتعظيم اسمها؛ أعاد بناء الهيكل كبناية فخمة، لكنه أنشأ أيضا معابد وثنية؛ تعتبره التقاليد المسيحية الشخص الذي أمر بقتل كافة الأطفال في بيت لحم لكي يقطع حياة يسوع المسيح وهو ما يزال طفلا رضيعا، لكنه بالمقابل حارب الانفصالية الدينية اليهودية. كان “ثعلبا سياسيا”، لكن اندفع لبناء التحصينات خوفا على حياته، الأمر الذي كان قريبا من الهوس والارتياب لديه. كان ربّ عائلة محبّ لما لا يقلّ عن 10 نساء، لكنه قتل زوجته واثنين من أبنائه.

لكن هنالك شيء واحد لا خلاف عليه: هذا الرّجل كان يحبّ البناء. هنالك من يقول إن حبّه للبناء تغلّب حتى على نزعته للهدم والتدمير. بفضل مشاريعه العمرانية “للمعالم التذكارية” في أنحاء البلاد، حظي بلقب “الملك الباني”. قام ببناء بنايات بمقاييس، مستوى تعقيد وفخامة لم يسبق لها مثيل، بموازاة استخدام التجديدات التكنولوجية المثيرة للإعجاب، وبإبداع معماري استثنائي.

خلقت النهضة العمرانية التي قادها الملك هيرودوس في البلاد: الأبراج والقلاع في القدس، إعادة بناء مدينة السامرة والتي أطلق عليها اسم “سبسطية”، إنشاء المدينة الساحلية (الميناء) الكبيرة في قيساريا، بناء القصور الفخمة في متسادا، في جبل الفريديس وأريحا، إنشاء المجمعات المائية، الحمامات، المسارح والمدرّجات وحلبات سباق الخيل وغيرها وغيرها – عددا كبيرا من أماكن وفرص العمل، الرفاه، تغيير ثقافة الترفيه والازدهار الاقتصادي خلال فترة حكمه.  

أحد أجمل الآثار وأكثرها إثارة من بين مشاريع الملك هيرودوس العمرانية، هي – بلا شك – متسادا. من الصعب عدم الإعجاب بتحصينات متسادا، بالقصر الغربي الذي قام بتوسيعه، وبالأساس بالقصر الشمالي، الذي تم بناؤه على طرف الجرف، بثلاث مستويات (درجات) صخرية طبيعية، ويعتبر قطعة فنية معمارية حقيقية، بغرفه وقاعاته المزيّنة، حوض الطهارة والحمام وشرفة الإطلالة الطبيعية المستديرة، والتي كان “الملك الباني” يطلّ منها على فخامة إبداعه وعلى المنظر الطبيعي البتول لوادي تسئليم، وادي مشمار ووادي حيفر.

 

 

إليعيزر بن يائير

قائد الزيلوت (الغيورون) والنهاية الدراماتيكية للثورة الكبيرة

“كان هنالك أشخاص أبطال في الجيش! منذ ذلك الحين حملنا على عاتقنا ألا نعبد الرومان، ولا غيرهم من الأسياد، إلا الله وحده، لأنه وحده يحكم بني البشر فعلا، وبعدالة… وها هو بائن أمامنا، أن غدا سيشهد أزمتنا، لكننا نملك أن نختار الموت كالأبطال، نحن ومن نحبهم، معاً… لذلك، فلتمت نساؤنا – رجاءً – قبل تدنيسهن، فليمت أبناؤنا رجاء، قبل أن يذوقوا طعم العبودية. وبعد ذلك، سيوفي كل شخص أترابه، حق البطولة، وليس أفضل من أن نحمل حريتنا إلى القبر…”

ألقى إليعيزر بن يائير، قائد مجموعة الزيلوت المحاصرين في متسادا، هذا الخطاب بحسب الكلمات التي وضعها في فمه وعلى لسانه المؤرخ الذي عاش في تلك الفترة، يوسيف بن متتياهو (يوسفوس فلابيوس).

كان إليعيزر بن يائير قائد مجموعة السيكاريين الأكثر تطرفا خلال فترة الثورة الكبرى ضد الرومان. تجوّل السيكاريون بينما كان هنالك خنجر صغير مخبأ تحت عباءاتهم، كما عملوا على قتل معارضيهم. تحت قيادة إليعيزر، حارب الزيلوت ضد جيش الحاكم الروماني، ونجحوا بهزيمتهم والسيطرة على القدس. لكن، عندما سئم الشعب من أسلوبهم المتطرف ومن سفكهم للدماء، اضطر بعضهم للهرب إلى متسادا والاحتماء فيها. بعد خراب القدس في التاسع من آب، عام 70 للميلاد، وبعد سقوط جبل الفريديس وقلعة مكاور بيد الرومان، كان رجال إليعيزر وحدهم من بقوا لمواجهة الرومان.

أقنع خطاب إليعيزر بن يائير، الذي يعتبر قطعة فنية خطابية رائعة، غالبية مقاتلي متسادا بالانتحار قبل وقوعهم بيد الرومان. هكذا، بتصرف بطولي سقط آخر معاقل الثورة الكبرى ولم تبق أي مقاومة للرومان على أرض يهودا.

 

 

يهودا ألموج

الطلائعي الأبدي الذي نفخ الحياة في منطقة البحر الميت

ليس هنالك الكثير من الأشخاص الذي يمكننا أن نقول عنهم إنهم “صنعوا التاريخ”، لكن يهودا كوبليفيتس ألموج (1895 – 1972) كان واحدا من هؤلاء. الشخص الذي دمجت شخصيته بين الحماسة المثالية الرومانسية والمبادرة الطلائعية والعمل، ترك بصمته على الاستيطان العبري في البلاد، وخصوصا على تطوير منطقة البحر الميت.

كإنساني واشتراكي حتى النخاع، حارب ألموج من أجل حقوق العمال في شركة بوتاس البحر الميت؛

كصهيوني حتى النخاع، والذي يؤمن بتحرير البلاد وفرض الحقائق على الأرض، بادر لإنشاء وتطوير البلدات في المنطقة؛ كرئيس للمجلس الإقليمي تامار، بادر – من ضمن أمور عدّة – لإنشاء فنادق وطرقات وعمل بجدّ من أجل ترميم المواقع الأثرية والتاريخية في المنطقة. من بين مشاريع ألموج كان هناك إنشاء متحف بيت هيوتسر ونزل الشباب في نافي زوهار، أسس “رابطة متسادا” – للحفاظ وبقاء متسادا، عين جدي والمغاور”، والتي كان هدفها الأساسي تطوير متسادا كموقع سياحي ذي أهمية وطنية عليا. ينسب له الفضل أيضا في إنشاء “مقرّ ثقافات البحر الميت”، كمركز للتربية والأبحاث في متسادا.

تمحورت كل حياة ألموج حول الرؤيا والتحقيق: كان أحد أفراد حركة “هحلوتس” في روسيا، مساعد يوسيف تريمبلدور المقرّب، أحد مؤسسي الهستدروت (نقابة العمال) العامة، من مؤسسي ورؤساء كتيبة العمل، من آباء فكرة “السور والبرج”، من نشطاء الكيبوتس الموحّد في شركة البوتاس الإسرائيلية وأول رئيس للمجلس الإقليمي تامار، والذي كان منكبّاً طوال حياته على تطويره.

يحمل كيبوتس ألموج، الذي أقيم عام  1979 في شمال البحر الميت، اسمه. تلخص الكلمات المنحوتة على شاهد قبره، بصورة رائعة، مجمل حياته: “يهودا ألموج، الطلائعي الأبدي”

 

 

 

رامبو

صحارى أفغانستان في منطقة البحر الميت — سلفستر ستالون خلال تصوير فيلم “رامبو 3”

 

بعد أن لمع نجمه في فيلمين حازا على الكثير من الجوائز، مليئين بالدماء، انتقل البطل الأسطوري جون رامبو ليعيش حياة بوذية، لكنه سرعان ما وجد نفسه في أفغانسان، ضمن مهمة لإنقاذ كولونيل أمريكي. حسناً، ليس في أفغانستان حقا، وإنما عندنا، في منطقة البحر الميت. عام 1988 تم تصوير جزء من فيلم رامبو 3، من بطولة الممثل سلفستر ستالون، بين عاراد وعين بوكيك. تم اختيار مناظرنا الطبيعية الصحرواية كبديل لائق للصحراء الأفغانية. حتى عندما كانت هنالك حاجة لإضافة حصن (قلعة)، لم يكن الأمر صعبا فعلا بالنسبة لإنتاج فاخر وغني بالأموال مثل هذا، والذي يتمتع بدعم من شركة إنتاج إسرائيلية، من الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، سلطة المحميات الطبيعية، وزارة الداخلية، وزارة الصناعة والتجارة، بل وحتى المساعدة الشخصية من الوزير أرئيل شارون.  حتى أن طريقا خاصا قد تم شقه خصيصا لأجل التصوير، وحتى يومنا هذا ما يزال بالإمكان السير به والشعور مثل رامبو.

 

 

 

عاموس عوز

بين جولات الشروق في الصحراء، وقمّة الأدب العالمي 

 

منذ كان عاموس عوز شابا، أسره سحر الصحراء. كانت قصيدته الأولى “نقب الظهيرة”، والتي نشرها حين كان عمره 20 عاما، مليئة بالغزل بالقوة الرجولية التي يتسم بها لهيب الصحراء. عندما كبر، وأصبح أديبا معروفا في البلاد والعالم، وجد لنفسه بيتا في الصحراء، في مدينة عاراد التي عاش فيها مع عائلته لنحو ثلاثين عاما. في كل صباح، قبل الشروق، اعتاد عاموس عوز على التجوّل في الصحراء، الاستمتاع بوتيرتها البطيئة وكسلها، والتي أضفت، كما قال، الهدوء والسكينة على كتاباته. أحب مدينته عاراد كثيرا، وليس بسبب موقعها فحسب، إنما أيضا بفضل النسيج الإنساني المميز الذي فيها، والعلاقات الإنسانية المباشرة التي سادت فيها. لا شك أن المدينة وسكانها، جيرانه، بادلوه المحبة. في هذه الفترة، إلى جانب الكتابة، كان عوز معلّما محبوبا في جامعة النقب في بئر السبع. كإنساني وكشخص سياسي، كان عاموس عوز متداخلا جدا في مختلف القضايا المتعلقة بحياة النقب. وضع بني البشر ورفاههم في مكانة أعلى من التطوير العقاري، وحمل لواء إعادة غالبية الأراضي لأصحابها من القبائل البدوية. ضايقه كثيرا وجود فجوة بين ازدهار مدن النقب والأزمة التي يعيش فيها سكان القرى العشوائية البدوية وسكان بلدات التطوير.

يعتبر عاموس عوز، الذي ولد عام 1939 وعاش نصف حياته في كيبوتس حولدا، بالنسبة للكثيرين، أحد أكبر الأدباء في إسرائيل. تمت ترجمة كتبة ومؤلفاته إلى 45 لغة، وتم طرح اسمه كمرشح لائق لـجائزة نوبل للآداب. كما أنه كان أديباً رائدا في اليسار الإسرائيلي ولم يخش التعبير عن آرائه بوضوح، لكن أيضا بنفس مستوى اللطف الذي اتسم به. تمحورت إبداعات عوز الأدبية النظرية حول الهوية الإسرائيلية والصهيونية، الفكر السياسي-الاجتماعي من وجهة نظر اشتراكية-ديمقراطية.  لكن، يبدو أنه من الأماكن التي كتب فيها، ومن الصحراء التي منحته الإلهام، بالإمكان فهم شيء عن الاشتياق، عن الرابط العميق مع التاريخ والمصادر، عن حب عوز لبلاده. ليس كمصطلح محبوب، وإنما كحب حقيقي للحجر، للصخر، لأعقاب السحلية على الرمال.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كليوبترا

الجميلة الساحرة التي اكتشفت دلال البحر الميت

 

كانت آخر فرعونة، ولم تؤدي حقيقة أنها عاشت حياتها الصاخبة قبل اكثر من ألفي عام، إلى جعلنا ننسى جمال وسحر كليوبترا. على مدى التاريخ كله ما تزال شخصيتها كـ “فام فاتال” (امرأة فاتنة) تثير خيال الشعراء، الرسامين، المؤلفين المسرحيين، الأدباء، منتجي الأفلام والفنانين. لكن جمالها، الذي صنع سمعتها في العالم القديم، والذي أسر قلب القياصرة والملوك، لم يكن منحة من الطبيعة فقط، وإنما نتيجة لروتين عناية فاخرة. يقولون إن أحد أسرار جمالها كان عادتها الاغتسال بحوض من حليب الأتان المنثورة فيه أوراق الورد، وأن جارياتها كنّ يقمن بإعداد أقنعة تغذية خاصة لوجهها، مصنوعة من الطين، النبيذ والعسل، بل وحتى من الذهب.

كان بالإمكان الاعتماد على هذه المرأة القوية، بأنها تعرف كيف تضع يدها على منتجات العناية الأفضل، وتوظيف كل الموارد الطبيعية لأجل الحصول على جمال وشباب أبديين. هذا، لدرجة أنها حاولت، عمليا، شراء البحر الميت بأكمله لمصر، وذلك عندما اكتشفت قدراته التجميلية والقدرات العلاجية العجيبة الكامنة فيه.

أقامت الفرعونة الجميلة أول سبا في العالم على شواطئ البحر الميت، ويقال إنها كانت تقدّر، منذ ذلك الحين، مساهمة الطين الأسود الغني بالمعادن، والموجود في المكان، في تحسين صحة البشرة، وآمنت من صميم قلبها أنه هو المسؤول عن أطلالتها المشرقة التي اشتهرت بها.

بعد اغتسالها في السبا المدلل الخاص بها، اعتادت على دهن بشرتها وشعرها بزيوت تم استخلاصها من نباتات المنطقة. اعتادت إنهاء طقوس جمالها برشّ عطر الأفرسمون (الكاكا) الأغلى من الذهب، والذي كان يتم استخلاصه في عين جدي، والذي ربما يكون بالإمكان نسب احتلالاتها النسوية إليه.

 

 

دافيد كورين (كورونيل)

“أذكر البيت في العربا، قطعة صحراء محروقة في أرض خربة” (حاييم حيفر وعاموس كينان).

 

إذا كان الاسم “بيت العربا” (بيت هعرفا) محفورا في ذاكرة كل إسرائيلي، فإن دافيد كورين يحظى بمكانة محترمة في هذا المشروع الريادي والطلائعي. هنالك من ما زالوا يطلقون عليه اسم “مختار” بيت العربا.

عام 1934 كان يجب أن يكون الشخص مجنونا ليؤمن أن بالإمكان أنشاء بلدة زراعية في جنوب شرق البحر الميت. كانت المنطقة مالحة وبعيدة، أكثر مما ينبغي. كان بالإمكان الوصول إليها بالشاحنات، وبعد ذلك إبحارا في البحر الميت من شماله إلى جنوبه. لكن هذا لم يمنع دافيد كورين وزملائه في الكيبوتس الموحد من الحلم.عندما فهموا أنه لن يكون بإمكانهم القيام بذلك لأسباب سياسية، حصلوا على موافقة موشي نوفومايسكي لإنشاء بلدة داخل حدود مصنع البوتاس التابع له شمالي البحر. أولاً، في بداية 1939، تم إرسال موشي آيزيكوفيتش إلى المكان، العضو في رمات راحيل، من أجل فحص ما إذا كان بالإمكان تأهيل المكان للمحاصيل الزراعية، من خلال شطفها بالمياه العذبة، بصورة تبرر إنشاء البلدة. كانت نتائج التجربة إيجابية، ووصل أوائل أعضاء بيت العربا، منتسبو الحركة الشبابية مخيمات المهاجرين التابعة للكيبوتس الموحد، وبضمنهم دافيد كورين، إلى المكان.

 

في هذه الظروف الصعبة، تحت الحر الشديد، وبموازاة تعرضهم لمهاجمة العصابات العربية، حفر كورين وأصدقاؤه قنوات وسكبوا فيها المياه من نهر الأردن، والتي غسلت الأملاح التي تملأ الأرض. عملوا بجد ومشقة من أجل تفريغ البوتاس الذي وصلهم على متن قوارب مسطحة من برك التبخير الموجودة في سدوم. بل إنهم أنشأوا مصنعا لإنتاج كتل الثلج، لأجل الصمود والبقاء في لهيب الصحراء. تم استخدام الكيبوتس المعزول والبعيد عن أعين البريطانيين، كمعسكر لتدريبات منظمة البلماح، وبضمن ذلك التدريب على إطلاق الذخيرة الحية. بل إن أعضاء بيت العربا ساعدوا أعضاء البلماح في تهريب المهاجرين اليهود من بلاد فارس، العراق وغيرها من الدول العربية، حيث عبروا نهر الأردن في مكان قريب من الكيبوتس.

 

خلال هذه السنوات، أنشأ دافيد كروين علاقات بين الكيبوتس والعرب في المنطقة وفي منطقة شرق الأردن. الحياة في الكيبوتس تدخل إلى مسارها. تزوج كورين بصديقته حانا، وولد ابنهم جدعون (الذي قتل لاحقا في حادث في بيت العربا)، وأقيمت عائلات جديدة أخرى، ولد الأطفال، وبدأ الكيبوتس بالازدهار أكثر من المتوقع. لكن، بتاريخ 15 أيار 1948، مع بدء حرب التحرير، تم تلقي أوامر بإخلاء بيت العربا. بتاريخ 20 أيار، تم ترك كيبوتس بيت العربا، وغادره آخر المقاتلين، عن طريق البحر، إلى سدوم.

حتى بعد إخلاء بيت العربا، لم يتوقف دافيد كورين عن نشاطه من أجل استيطان وتطوير البلاد. كان أحد مقيمي كيبوتس جيشر هزيف، ومع مرور الوقت أصبح عضو كنيست عن حزب المعراخ، شغل منصب رئيس المجلس الإقليمي سولام تسور، كان أحد مؤسسي الكلية الاكاديمية للجليل الغربي، كان من بين موقدي الشُّعل خلال الاحتفال في جبل هرتسل. عام 1994 كان كورين جزءا من الوفد الذي سافر إلة البيت الأبيض للتوقيع على اتفاقية السلام بين إسرائيل والأردن، كضيف لدى يتسحاك رابين.

وكيبوتس بيت العربا – تم إنشاؤه مجددا بعد الإخلاء الصادم بـ 32 عاما، في البداية كبؤرة استيطانية من قبل مجموعة “ناحال”، والتي تم الاعتراف بها مدنيا عام 1986.  منذ العام 2000، يستقر الكيبوتس في موقعه الدائم، وما يزال يعترف بفضل كورين وزملائه.